تحريــر : مرام معاذ مدني
أثار قرار وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي بعودة جميع الجامعات السودانية إلى مقارها في الخرطوم اعتباراً من الأول من شهر أغسطس الكثير من التساؤلات المشروعة، وأطلق نقاشاً واسعاً بين الطلاب، الأسر والمجتمع الأكاديمي حول جاهزية الواقع لاستقبال العودة، فلا يمكننا الحديث عن العودة واستئناف الدراسة في الخرطوم دون التوقف عند الحرب التي دمرت المؤسسات التعليمية بالكامل، والتخريب الذي أصاب الجامعات السودانية، و فقدان الأجهزة والمعدات و خراب المعامل. وإصلاح كل هذا الدمار ليس بالأمر اليسير، بل يحتاج الكثير من الوقت والجهد حتى تستعيد المؤسسات التعليمية عافيتها وتباشر رسالتها في نشر العلم.
آمال ومخاوف
تعيش اليوم الطالبات السودانيات حالة من الصراع النفسي، فمن جهة يملؤهن الشوق للعودة إلى القاعات الدراسية واستكمال مسيرتهم الأكاديمية بصورة طبيعية واستعادة الحياة الجامعية التي انقطعن عنها قسراً ومن جهة أخرى، تفرض المخاوف نفسها بقوة، فلديهنّ مخاوف تتعلق بالوضع الأمني، استقرار الخدمات الأساسية، توفر السكن الملائم والمواصلات.
بالإضافة إلى قلقهنّ من أن تكون البيئة الجامعية غير مهيئة بشكل كامل لاستقبالهنّ وعودة نشاطاتهنّ. كما يزداد هذا الصراع مع أسرهن التى تحاول الموازنة بين حق بناتها في التعليم وخوفها على سلامتهن واستقرارهن داخل ولاية الخرطوم، فبعض الأسر وجدت معاشها خارج الولاية، أو خارج البلاد ولا سبيل لها للعودة مع بناتهن فالحرب كذلك غيّرت حياة الأسر السودانية، فقد تبدلت الظروف الاقتصادية، و ارتفعت تكاليف المعيشة والمواصلات، واضطرت كثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع واقعها الجديد. كما نجد أن تجربة النزوح واللجوء والتنقل المتكرر تركت آثاراً نفسية واجتماعيةً عميقة، انعكست على نظرة الأسر إلى قرارات العودة والاستقرار، خصوصا وأن الكثير من المنازل لازالت متضررة ولهذا أصبح بعض أولياء الأمور يرون في التعليم عن بُعد خياراً مناسباً يخفف الأعباء ويمنحهم مزيداً من الوقت حتى تستقر الأوضاع تماماً وتتناسب الظروف ومن هنا، فإن نجاح قرار العودة لا يعتمد على تحديد موعد الدراسة فقط ، بل يرتبط بتهيئة البيئة الجامعية بصورة متكاملة، وضمان عودة الاساتذة الجامعيين مع إعطاءهم جميع المستحقات، فإعادة تأهيل المباني والقاعات والمعامل، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان الأمن والسلامة داخل الحرم الجامعي وفي محيطه، كلها عوامل تمنح الطالبات وأسرهن الثقة والاطمئنان وتزيد من قناعتهم بأن العودة خطوة آمنة ومستحقة.
وفي الختام وبالرغم من كل هذه المخاوف تبقى العودة ضرورة لا يمكن تجاهلها. فعودة الجامعات ليست مجرد استئناف للدراسة وحسب ، بل هي جزء من عودة الحياة إلى الخرطوم، فالجامعات السودانية كانت وستظل مراكز للعلم وصناعة الكفاءات وبناء المستقبل، واستمرار اغلاق ابوابها لفترات أطول يعني إبطاء عملية التعافي التعليمي على أرض الواقع، فالخرطوم تستحق أن تستعيد نبضها العلمي والحضاري، ونجاح العودة يبدأ أولاً بتوفير بيئة آمنة ومهيئة لاستقبال الطالبات والأساتذة الجامعيين. ويبقى الأمل حاضراً بأن تستعيد الخرطوم عافيتها، وأن يعود الأمن والاستقرار إلى ربوع السودان كافة، لتعود الجامعات مناراتٍ للعلم، وتعود معها الحياة.