تحريــر : مرام معاذ مدني
عندما غابت أنوار الأمان عن السودان، وتعالت أصوات الأسلحةوالمدافع، تداعت البنية التحتية وتفرّق شمل الأسر السودانية. كانت الحرب طاحنة على الجميع واقتحمت صميم الكيان الإجتماعي والاقتصادي، تسببت في فقدان الوظائف الثابتة، توقف المصانع، وانهيار قيمة العملة، وجعلت شعباً كاملاً على حافة الفقر والجوع، مما خلق وضعاً اقتصادياً قاسياً وباتت لقمة العيش حلماً بعيد المنال للكثيرين. وفي ظل هذا التغيير القسري وقفت المرأة السودانية شامخة، حاملة لواء المبادرة، لم يكن هناك أمامها خيار آخر إلا التعاند على الواقع المرير، و لم تنتظر المعجزات بل استثمرت البسيط عندها والمتوفر مستحضرة قيمها الأصيلة للكفاف والعفاف والاعتماد على الذات. كان لابد لها من خلق منافذ للرزق، وبدائل عن الأعمال الضائعة. هنا ولدت المشاريع الصغيرة التي أظهرت قدرة المرأة السودانية على التفكير والإبداع تحت وطأة أقسى الظروف، لم تكن هذه المشاريع خياراً ترفيهياً بل ضرورة حتمية للبقاء على قيد الحياة.
كل مشروع حكاية وخدمة خاصة
مثّلت المشاريع الصغيرة طوق نجاة لكثير من الأسر السودانية، وكانت دليلاً على قوة المرأة السودانية التي لم تحطّمها الحرب بل صقلتها لتجعل منها نسخة أكثر صلابة وقدرة على التحمّل.وبالرغم من بساطة هذه المشاريع إلا أنّها نالت نصيباً من الانتقاد المتكرر كونها تتشابه في خدماتها والمنتجات التي تقدمها. ولكن لكل مشروع قصته الخاصة، وبصمته التي لم تتكرر، وهذا التشابه الظاهري بين المشاريع يخفي جبالاً من الحكايات الفريدة، فوراء كل مشروع ندب جرح، شرارة إبداع، ومعركة شخصية تخلق جواً من المنافسة وحافزاً على الإبداع وضبط الجودة. كما خلق نزوح النساء السودانيات لدول الحوار فرصة للتعرف على الأسواق العالمية والتعلّم، وتسويق منتجات تحمل الهوية السودانية الأصيلة للعالم. ودفاعنا هذا لا يتعارض مع تشجيعنا للتنوع خاصة وسوداننا الحبيب ينعم بالكثير.
البازارات: ساحات الأمل والنسيج الاجتماعي
لعبت البازارات دوراً مهماً لا يمكن التغافل عنها في عرض منتجات المشاريع، حيث شكّلت منصة تسويقية وشبكة دعم بين صاحبات المتاجر يتبادلن فيه الخبرات والأفكار. أصبحت للبازارات في الآونة الأخيرة دور اجتماعي وثقافي حيث صارت ملتقى للأسر محافظة على الروابط بين الناس وقت الفرقة ممثلة عزاء اجتماعياً سرعان ما يتحول لمجلس أمل.
وكان بازار"جاري وأنا جارو" الذي أقيم أول الشهر المنصرم في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية مثالاً واضحاً ونموذجياً حيّاً، شاركت فيه أكثر من عشرين امراة، يحملن همومن وهموم أسرهن واقفات على مشاريعهن والابتسامة لا تفارق وجهوهن وهن يستقبلن ضيوف البازار. ولم تقتصر المشاركات على النساء السودانيات فحسب بل كان هناك حضور للنساء الاثيبوييات والتشاديات مما خلق أجواء افريقية مميزة، وتكونت صداقات بين صاحبات المشاريع من الدول الثلاث.
وختاماً
من رحم المعاناة يولد الأمل، وكل مشروع اليوم يقف شاهداً على امرأة رفضت الخضوع والاستسلام للواقع المرير، وخلقت من امكانياتها البسيطة وبداياتها المتواضعة حبل نجاة لها ولأسرتها. ولكل امراة سودانية صاحبة مشروع نقول: (صحيح أنّك لم تكوني سبباً في المشكلة ولكنك كنتِ جزء أصيل من الحل. تمكنتِ من زرع البذرة وسط البارود، وكنتِ المدير والعقل المدبّر، العاملة والمسوًقة. أثبتِ لنفسك أولا والعالم أن طموحك لا يعرف الحدود، وأن الإرادة والإصرار هما رأس المال الحقيقي. مشروعك كان نتاج حرب وضرورة كُتب بدم القلب، وبأمل يأبى الانكسار، صنعتي الحياة وسط الخراب، وكنتِ حصن كرامة منيع ضد الجوع واليأس.