تحريــر : مرام معاذ مدني
عند اشتعال نيران الصراع في السودان لم تدمر الحرب المباني فقط، بل كانت سبباً في تحطّم الآمال والطموحات لدى الكثير.فرّقت شمل الأسر فذاق الجميع مرارة الضياع والتشرّد. لم يكن التعليم بمنأى عن هذا الدمار، اُستبدلت أجراس المدارس بدويّ القذائف، وخرج الأطفال من منازلهم خائفين يحملون حقائب تُعبئها ثياب الهرب بدلاً عن الكتب والأقلام.
عندنا تحوّلت الفصول لشاشات صغيرة
رغم كل الصعوبات والتحديات التي واجهتها الأسر السودانية خلال الحرب من نقص في الزاد، ضياع المأوى، وعدم الاستقرار، إلا أنّ رُكام الحرب لم يُغطي إرادتهم ولا إصرارهم على تعليم أبنائهم. ظهرت المدارس الإلكترونية وكأنها شريان حياة، وحل بديل في ظروف لم تترك خياراً آخر، وصارت المناهج بدل أن تُدّرس بين جدران الفصول أشبه برسائل استغاثة من معلمين رفضو أن يُدفن التعليم تحت أنقاض الحرب لجيل تعطّل تعليمه عاماً كاملاً.
المدارس الإلكترونية: هل كانت حلاً أم تحدياً جديداً؟
وجدت بعض الأسر السودانية نفسها عاجزة عن مغادرة ولاية الخرطوم، لأسباب ماديّة أو اجتماعية خاصة، فاضطرت إلى اللجوء للتعليم الإلكتروني كحل وحيد. في البداية بدت الفكرة وكأنها طوق نجاة، أطفال يجلسون في منازلهم أمام الشاشات يتابعون دروسهم بعيداً عن خطر القنابل، واستطاع بعض الأساتذة السودانيين المهاجرين بواسطتها إكمال رسالتهم وأداء مهنتهم، ولكن الواقع كان أكثر تعقيداً، فكيف لأسرة نازحة أن توفر قيمة الانترنت وثمن الرسوم الدراسية وهي تبحث عن قوت يومها ؟
ولعل من أبرز ما يُظهر تجربة المدارس الإلكترونية هي شهادة الأمهات أنفسهنَّ، الصابرات اللواتي صرن شواهد على زمن الحرب المظلم، أبى اليأس أن يمنعهنّ من حراسة مستقبل أبنائهنّ وسط أنياب الفوضى، فخضن ملحمة أخرى من ملاحم الصبر، يُسجلن الحضور وسط انقطاع الشبكة، حوّلن شظايا الحرب لسلالم يصعد عليها أبنائهن نحو سماء العلم، ناضلن بلوحات المفاتيح كما ناضل الجندي بسلاحه.
التقت مهيرة بالأم صباح محمد الفاتح التي تقول:(كنت مترددة في البداية، ولكن لم يكن أمامنا حل آخر، خاصة بعد توقف بناتي عن التعليم لعام ونصف. لم تكن التجربة سهلة أبداً بسبب عدم انتظام وضعف شبكات الانترنت، والملل الذي كان يتسلل لبناتي بين فترة وأخرى رغم حماسهنّ في البداية لتجربة جديدة في التعليم، ولكنه ملل طبيعي لانعدام الحضور الحقيقي للمعلم والمدرسة، ولكن رغم كل هذه التحديات نجحنا في تعويض ما فاتهنّ من تعليم، وأكملن العام الدراسي بنجاح -بحمد الله- سررت كثيرا ببداية العام الدراسي الجديد وفتح المدراس بولاية الخرطوم لإيماني بدور المدرسة الحقيقة في تأهيل الطالب والحمد لله لم تواجه بناتي مشكلة في التأقلم من جديد).
كما التقت مهيرة ببناتها تالين وتالا بهاء الدين اللواتي أبدين اعجابهن بتجربة المدرسة الإلكترونية ولكنهن الآن يفضلن المدراس الحقيقة ويستوعبن الدروس أكثر بوجود معلم أمامهن ولما توفره المدرسة من حياة اجتماعية، وزميلات يلعبن معهن.
كما تحدثت مهيرة أيضا مع الأم ريان محمد: (كان توقف ابنتي عن الدراسة لعام كامل هاجساً كبيراً بالنسبة لي، ولإيماني بأن التعليم عملية مستمرة وفرت لها في هذا العام "كورسات أونلاين" لمختلف المواد ولتعلم لغات أخرى. عند بداية المدارس الإلكترونية كنت خائفة لإهتمامي بالتواصل المباشر مع المعلم وبيئة المدرسة، ولكن بحمد الله كانت تجربة موفقة والفيديوهات الدراسية كانت تفاعلية وجاذبة للطلاب جداً).
أرى أن المدراس الالكترونية كانت حلاً مناسباً لنا وقتها لعدم توفر مدارس حضورية والأوضاع الأمنية لم تكن مناسبة وقتها للحضور. وبعد بداية العام الدراسي بدأت ابنتى الصف الثاني الابتدائي ولم تُعاني سوى من رهبة خفيفة في الأيام الأولى ولكنها سرعان ما تأقلمت وكونت صداقات. وأبدت ابنتها نسمة محمد أحمد اعجابها بالمدرسة الإلكترونية وأكدت انها فهمت كل الدروس، ولكنها اليوم تفضل المدرسة الحقيقية لوجود صديقاتها معها ولأنها تشعر بأن المعلمة تشرح الدرس بصورة أفضل وهي أمامهن .
هل كانت التجربة ضرورية؟
كل حلّ في زمن الحرب يعدُّ انتصاراً، ربما لم تكن المدراس الالكترونية مثالية ولكنها كانت شمعة أضاءت ظلام الحرب في زمن نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى التعليم لإصلاح وطن دمرته القذائف والفتن.التعليم هو الأساس لبناء الأجيال القادرة على الإعمار وتحقيق السلام والاستقرار، ودفع عجلة التنمية.وبالرغم من بداية العام الدراسي علينا الاستفادة من هذه التجربة الرقمية الجديدة وبالنظر إليها على أنها فرصة للتطور التقني حيث أجبرت الكثيرين على تعلّم مهارات رقمية جديدة .
وختاماً المدرسة ليست جدران فقط، بل عالم صغير يُحاكي الحياة، تصنع من التلاميذ انسانا، وتُكسب الطفل دروساً لا تُكتب،تعلمه كيف يشارك و يحاور ، كيف يبني ثقته بنفسه ومع أقرانه، يجد فيها الأصدقاء الذين يكونون خطوة أولى في رحلة الإجتماعية ويتعلم معهم معنى الإخلاص والود والتعاون.
تزرع المدرسة في النفس قيم الانضباط واحترام المعلم والوقت، حب العمل، وتقبّل الاختلاف، هي مصنع للأخلاق وميدان للتجارب. صحيح أن المدارس الإلكترونية لم توفّر ما سبق ولاتُغني عن المدراس الحقيقة لكنها كانت قفزة الكترونية يُعد السودان بحاجة إليها لمواكبة التطور والحداثة وحلاً طارئاً أثبتت إصرار السودانيين على التعلّم.