تحريــر : مرام معاذ مدني
تبدَّلت تفاصيل الحياة منذ اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، وبات كل شئ ضبابياً، لم يسلم التعليم من ويلات الحرب فتغيَّرت المسارات وتشوش المستقبل في عيون الكثير من الطلاب وبالأخص الطالبات، حتى صرن يراقبن الأيام وكأنها غريب يعبر دون أن يلتفت حائرات، مترددات، حزينات على الماضي وخائفات من المستقبل.
لم تعد سنوات الجامعة كما كانت مرحلة دراسية وتجربة اجتماعية تُعد الأولى في رحلة كل طالب عادي كما السابق، بل صارت ماراثوناً من الصبر على انقطاع الدراسة، الترحال، والظروف المعيشية القاسية، وأصبحت السنوات التي كان من المفترض أن تكون للعلم والبناء مليئة بالتردد والشكوك والكثير من التساؤلات التي لا إجابة لها ،فتترك الطالبة علاقة بين ما تريده وما تخشاه .
الزواج كمنفذ لا كاختيار ناضج
بدأت الكثير من الطالبات بالبحث عن مخرجٍ لكل هذه التساؤلات، ومع تراكم السنوات شعرن بأن الإنجاز الأكاديمي بات بعيد المنال فلجأن للزواج من باب تحقيق الذات وإشباع رغبتهن بالإنجاز والبحث عن معنى وهوية جديدة تبعدهن عن الإحساس بالضياع أو التأخر، لكن في حقيقة الأمر لا يُعد الزواج حلاً ولا علاجا للهروب، بل مسؤوليةً كبيرة تتطلب استقراراً نفسياً لاتوفره سنين مشوهة بالقلق والخوف.
عامان من المحاولات والتخبط المستمر
تقف الطالبة السودانية اليوم وهي فاقدة لقدراتها على التخطيط ونسج أفكارها لرسم الطريق، تحاول جمع أوراقها المبعثرة وأفكارها الشاردة، يتضخم الخوف داخلها كل يوم حتى صارت تشك في قرارتها ومقدراتها، ومع غروب شمس كل يوم تفقد جزءاً من نفسها، وكلها أسباب تُدخلها في نوبات من القلق والتوتر الذي لايؤثر فقط على أدائها الأكاديمي بل يمتد لكل جوانب حياتها ولأسرتها الذي يعيشون معها قلقها دون أن يمتلكون لها حلاً.
شهادات من الواقع:
التقت مهيرة الطالبة (غ.م) التي تقول:( تملّكني الخوف والقلق منذ اللحظة الأولى في الحرب على السودان، خفت على الجميع، لا على مستقبلي فقط، حاولت إكمال دراستي بالخارج ولكن لم يحالفني الحظ وزاد الأمر سوءاً بعد زيادة الرسوم الدراسية. حينها شعرت بالانهيار التام، وبأنني أصبحت ثقيلة على أهلي رغم محاولاتهم الدائمة لطمأنتي ودعمي، وحتى عند العودة للدراسة ( عن بُعد) لم تكن لي الرغبة ولا القدرة النفسية للرجوع للدراسة، ولكن سرعان ما تأقلمت واجتزت الامتحانات بتفوق بحمد الله وأنا اليوم فخورة بنفسي).
وتُضيف :(تعلمت تقدير النعم والشعور بالامتنان لأصغر الأشياء، وأنصح أي طالبة بأن تعيش فترات الانهيار دون خجل، وأن تبكي إن احتاجت لذلك ولكن لاتطيل فيها وأن تعاود النهوض مجدداً، وتستفيد من أوقات فراغها وتهتم بالراحة القلبية والصفاء الذهني فذلك أيضا نوع من التعافي).
تجربة أخرى
وطالبة أخرى تروي لنا قصتها وتُبدي بشهادتها، الطالبة الخريجة(ل.م) التى روت لمهيرة تقول :(عدم الأمان الذي شعرت به بسبب الحرب أثّر على تركيزي واستقراري النفسي، بقيت أشهر طويلة لا أخرج من منزلنا بمصر لأتجنب رؤية طلاب المدارس والجامعات لأن رؤيتهم وهم يحملون حقائبهم يذكرني بألم انقطاع تعليمي، السنة الأولى من الحرب كانت الأصعب بالنسبة لي إذ لم تتخذ الجامعة خطوات واضحة لاستئناف الدراسة، مرّت عليّ أيام تمنيت لو لم أكن موجودة أصلا وأنني عبء ثقيل على والديّ وإخوتي ، لم يكن الأمر سهلاً و خصوصاً أنها لم تكن المرة الأولى ، كانت المرة الخامسة التي انقطع فيها عن الدراسة بسبب ما مرّت به البلاد في سنينها الأخيرة، وفي كل مرة كنت أجمع فيها شتات نفسي وألتقط فيها أنفاسي للعودة تُغلق الجامعة أبوابها من جديد، كان الأمر صعباً في الأخيرة فلقد كنت في سنتي الدراسية النهائية، شعرت بالعجز الشديد وأنا أرى أقراني في الجامعات والدول الأخرى قد بدأوا حياتهم المهنية وأنا ما زلت عالقة) .
وأضافت :(الضغط النفسي الذي شعرت به كان ثقيلاً جداً مما أثّر على صحتي الجسدية، صداع دائم، أرق، اضطرابات في نوم، وظهر الشيب على رأسي، حتى بعد عودة الدراسة ( عن بُعد) لم يكن لدي قدرة جسدية ولا نفسية للمواصلة ولكن لم يكن لدي حل ٱخر ولا خُطة بديلة فأكملت سنتي الأخيرة دون رغبة، ولم أشعر بلذّة التخرّج ولا بلحظة الانتصار حتى الٱن، تجربتي التعليمية كانت مؤلمة ولا أحب تذكرها ولا الحديث عنها).
ختاماً، قصص كثيرة امتزجت بالألم والقلق لطالبات سودانيات تعرضن للظروف الأخيرة ولكن رسالة المختصيين لكل الطالبات أن الحل ليس بالهرب بل بالتعايش مع الواقع وأن التأقلم هو أول خطوة للنجاة، فاذا لم تسر الأمور كما هو مخطط لها فالاستمرار والمواجهة هما الحل دون الانغماس في الاحساس بلوم الأوضاع والآخرين وغيرها من المشاعر السلبية المصاحبة لهكذا ظروف.
آفاق جديدة
تذكري دائماً عزيزتي الطالبة أنك لست وحدك، وأن تأخرك لا يعني فشلك، فالأقدار تسير وفق حكمة يعلمه الله وحده، مارسي الرحمة مع نفسك، تحدثي مع من تثقين بهم، اكتبي مشاعرك ولا تكبتيها، اسمحي لنفسك بطلب المساعدة ولا تستهيني بألمك واجعلي هذا الفراغ فرصة لاكتشاف نفسك من جديد في جوانب أخرى مختلفة وجديدة. وتأكدى أن الصراع الذي تمرّين به ليس ضعفاً، بل هو دليلٌ قويٌ على انك إنسانة تشعر، تطمح، وتفكر، وأن النهاية الحقيقة ليست بالوصول بل بالدروس التي تتعلمينها خلال الرحلة التي ستزيدك قوةً وعزماً للاستمرار في تحقيق أحلامك.